تكنولوجيا

سر الأرقام الصغيرة: كيف تصنع معمارية النانومتر ثورة في السرعة والطاقة؟

ماذا تعني معمارية 7 أو 5 أو 3 نانومتر؟

بالتأكيد قد سمعت يوماً عن معالجٍ بمعمارية 3 أو 4 أو 5 أو 7 نانومتر. ولكن، ماذا يعني هذا الكلام حقاً؟ وما الذي يفرق بينها؟ هذا هو ما نود أن نشرحه لك في مقال اليوم.

فإذا كانت هذه هي المرة الأولى التي تزور فيها مدونتنا، “ثقافي.نت”، فأهلاً وسهلاً بك في عائلتنا الكريمة

لا تنسَ المشاركة، وابدأ بتحضير كوبٍ من الشاي أو القهوة. ولنبدأ.

نبذة سريعة: ما هو المعالج؟

المعالج، يا سيدي العزيز، هو العقل المدبر لكل العمليات التي تحدث داخل الجهاز الإلكتروني بشكل عام، والهاتف المحمول تحديداً بشكل خاص. هو بمثابة العقل البشري (مع حفظ الفارق بالطبع)، فهو العقل المدبر لكل شيء تقوم به على هاتفك، من تنظيمات ومن أي شيء آخر.

يُصنع هذا المعالج داخل “معمارية” (Architecture) معينة. هذه المعمارية هي التي تحدد كيف سيُصنع المعالج وما هي الأشياء التي ستُضاف بداخله.

النانومتر: مقياس الدقة المتناهية

تقاس هذه المعمارية بشيء يسمى “النانومتر”. والنانومتر، يا سيدي العزيز، هو مقياس دقيق جداً؛ حجمه واحد على مليار من المتر (1/1,000,000,000 م).

ببساطة، النانومتر هو حجم “الترانزستور” (Transistor) الواحد داخل المعالج. والترانزستور هو أصغر وحدة إلكترونية موجودة في العالم، يمكنها أن تحتفظ بالبيانات وتقوم بمعالجتها.

كمثال بسيط للتوضيح: يبلغ سُمك شعرة الإنسان الواحدة حوالي 80,000 نانومتر! هذا يعني أن النانومتر الواحد في المعالج أصغر بمئات الآلاف من المرات من سُمك شعرة الإنسان. فسبحان الله الذي علّم الإنسان ما لم يعلم.

القاعدة الذهبية: كلما صغر الرقم، كان الأداء أفضل

كنا نرى في السابق معالجات بمعمارية 7 نانومتر، أو 6 نانومتر، أو 5 نانومتر. قد يكون الموضوع معقداً بعض الشيء، وسأحاول تبسيطه قدر الإمكان (فلا تأخذ شرحي كمرجع علمي دقيق، إنما هو لتقريب الفكرة).

القاعدة هي: كلما قلّ الرقم المستخدم في النانومتر، كلما استطعنا إضافة ترانزستورات أكثر داخل المعالج.

وبالتالي، إنتاج طاقة وإنتاج بيانات وعملية سهولة استخدام البيانات داخل المعالج تصبح أفضل. أي أنه كلما صغرت المعمارية، أمكننا وضع أوامر أكثر وترانزستورات أكثر، مما يعني بيانات وسرعة نقل أعلى، أداء أحسن، وحرارة أقل.

جيل الـ 3 نانومتر الحالي

لقد وصلنا اليوم إلى معمارية 3 نانومتر مع أحدث المعالجات (مثل A19 Pro, Snapdragon 8 Elite, 8 Gen 5, A18 Pro وغيرها)، والتي تحتوي على مئات الملايين بل المليارات من الترانزستورات والعمليات المكونة داخل هذا المعالج، والتي تستطيع من خلالها إنتاج طاقة ومعالجة عمليات متفاوتة رهيبة في ملايين الأجزاء من الثانية.

المستقبل القريب: 2 نانومتر وما بعده

تعمل الشركات حالياً على تطوير مبدأ الـ 2 نانومتر أو الـ 1.4 نانومتر. من الممكن أن نرى هذه المعالجات في السنة القادمة، أو التي تليها، أو ربما في نهاية هذه السنة، الله أعلم.

كيف يُقاس الفرق؟ بكثافة الترانزستورات

يُقاس الفرق بين المعالجات من خلال “كثافة الترانزستورات” الموجودة داخل المعالج نفسه، بحسب معماريته.

على سبيل المثال (والأرقام لتقريب الفكرة فقط):

  • معالج 5 نانومتر: قد يحتوي على 174 مليون أو 500 مليون ترانزستور في كل جزء من وحداته.
  • معالج 3 نانومتر: يمكن أن يصل الرقم إلى أضعاف ذلك، ربما مليار أو 10 مليار ترانزستور.

فكلما استطعت “تكديس” عدد أكبر من الترانزستورات داخل المعالج، فهذا يعني أنك حصلت على معمارية أصغر.

نأمل أن تكون الصورة قد اتضحت الآن.

ما الذي نستفيده كمستخدمين؟

قد تسأل: “ما الذي أستفيده أنا كمستخدم عندما تصغر المعمارية وتزيد الترانزستورات؟”

كما ذكرنا، إضافة الملايين من الترانزستورات الزيادة تعني:

  1. أداء أحسن.
  2. استهلاك طاقة أقل (عمر بطارية أطول).
  3. ذكاء اصطناعي أفضل.
  4. إضافة مكونات زيادة للمعالج (لأن المساحة الداخلية المطلوبة للترانزستورات تتقلص، مما يتيح مساحات أكبر لإضافة مكونات أخرى).

بالتالي، ستحصل على أداء قد يكون أفضل بنسبة 30% أو 40% مع المحافظة على نفس حجم المعالج دون أن يكبر.

الحد الفيزيائي: ماذا بعد الـ 1 نانومتر؟

بعد أن نصل إلى تقنيات تصنيع المعالجات الدقيقة مثل 2 نانومتر أو 1.4 نانومتر، ما الذي سيحدث بعد ذلك؟

ما سيحدث هو أننا سنصل إلى مرحلة تسمى “الحد الفيزيائي” (Physical Limit) للصناعة. هذا هو أقصى شيء يمكننا فعله بهذه التقنية التي نطورها (النانومتر). من الممكن أنه بعد 1.4 نانومتر أو 1 نانومتر، لن نتمكن من فعل شيء أكثر من ذلك.

لذا، سيتم الانتقال إلى تقنيات بديلة وجديدة تستبدل تقنيات تصنيع النانومتر بشيء مختلف تماماً، وهو ما يرسم له العلماء والشركات حالياً، وهما تقنيتان تقريباً:

  1. تقنية الترانزستورات ثلاثية الأبعاد (3D Transistors).
  2. معالجات الكوانتوم (Quantum Processors).

هذه التقنيات ستكون هي الجيل الجديد من المعالجات التي ستستبدل تقنية النانومتر الحالية.

لمحة تاريخية سريعة

قديماً في التسعينيات، كنا نرى معالجات تُصنع بمعمارية 90 نانومتر، وكان حجم المعالج آنذاك كبيراً جداً (بحجم الباب تقريباً، وهذا طبيعي جداً في ذلك الوقت). بعد عدة سنوات، تطور الموضوع ووصلنا إلى 45 نانومتر (بنصف الحجم أو أصغر بكثير). ثم وصلنا إلى معالجات 20 نانو، ثم 10، و 7، و 6، و 5، و 4، و 3… وهكذا تتطور الحياة.

كل شيء جديد سنستمر في تطويره حتى يصل إلى مرحلة “الحد الفيزيائي”، وهي المرحلة التي لا يمكنك بعدها تطوير نفس الشيء بنفس التقنية، بل يجب عليك الانتقال إلى تقنية جديدة بالكامل تكون أفضل وتسمح لك بالتطوير لسنوات قادمة.

التقنيات الحالية للتصغير

تعتمد الشركات حالياً على تقنيتين رئيستين في تصغير معمارية المعالج والانتقال من 5 إلى 4 إلى 3 نانو. هما:

  1. تقنية (FinFET).
  2. تقنية (EUV Lithography).

هاتان التقنيتان خاصتان بصناعة الأجزاء الدقيقة جداً مثل الترانزستورات والمعالجات.

لماذا تختلف أسعار المعالجات؟ (سر الأخطاء المصنعية)

عندما تسمع “معالج 4 أو 5 أو 7 نانومتر”، يجب أن تفهم أن هذا يرمز إلى مدى صغر الترانزستورات وكثافتها وعددها داخل المعالج.

لهذا السبب، تجد أن المعالج هو أغلى قطعة داخل الهاتف وأغلى مكون للجهاز، لأنه يتطلب صناعة دقيقة جداً ويُنفق عليه مليارات الدولارات ليتم صناعته بأفضل طريقة.

أي خطأ، ولو كان بسيطاً جداً، في أي ترانزستور، ممكن أن يؤدي إلى “شطب” المعالج بالكامل (جعله غير صالح).

وهذا يفسر لنا الفروقات بين أجهزة الفئة العليا (Flagship) والأجهزة المتوسطة والأجهزة الاقتصادية من ناحية المعالج. كلما ارتفعت بفئة المعالج، يعني هذا عدة أشياء:

  • معالجات الفئة العليا (Flagship): (مثل سناب دراجون 8 جين 5 كمثال) نسبة الأخطاء المصنعية فيها شبه معدومة، لنقل إن نسبة الأخطاء 10% (ونسبة النجاح 90%).
  • معالجات الفئة المتوسطة: ممكن أن تصل نسبة الأخطاء الإلكترونية فيها إلى 30%.
  • معالجات الفئة الاقتصادية: ممكن أن تصل نسبة الأخطاء فيها إلى 40% أو 60% أو 70%.

الشركة المصنعة قادرة على تلافي هذه الأخطاء، ولكن، لكي تحافظ على سعر معالج يكون متوسطاً أو اقتصادياً، فإنها “تترك” بعض هذه الأخطاء الموجودة في المعالج، لكي لا يقوم ببعض المهام بنفس كفاءة المعالجات المصممة لأجهزة الفئة العليا. هذا يقلل من التكلفة، وينقل المعالج للفئة المستهدفة بحسب أخطائه الإلكترونية.

خاتمة

وبس والله يا سيدي العزيز، كان هذا كل ما نملك اليوم بما يخص الفرق بين المعالجات (4، 5، 7 نانومتر وغيرها) وماذا تعني المعمارية.

إذا وصلت إلى هنا، فأنت بالفعل من المهتمين الحقيقيين بالتقنية و”وحش النانومتر” كما نحب أن نسميك! انتظرونا في مقالات قادمة بإذن الله تعالى.

يلا، السلام عليكم.

مقالات ذات صلة