تكنولوجيا

رحلة السيليكون: من حبات الرمل إلى أدمغة الأجهزة الذكية

دعني أعرّفك على أعقد عملية تصنيع في تاريخ البشرية بأسره. قد تبدو لك حفنة من الرمل شيئًا لا قيمة له، ولكن أود إخبارك أننا من هذا الرمل تمكنا من صنع معالجات تُقدّر بمليارات الدولارات.

وإن كنت تظن أن الأمر يبدو سهلًا ويمكن لأي شخص القيام به، فأود أن أقول لك إن بناء 1000 برج كبرج خليفة هو أسهل بكثير من تصنيع معالج صغير تافه الحجم كهذا.

لماذا؟ لأنه في أي دولة في العالم، حتى ولو كانت دولة نامية، يمكنها بكل سهولة بناء برج كبرج خليفة. لكن التكنولوجيا التي تُصنّع بها رقاقات المعالجات، تُعتبر سرًا علميًا أخطر من الأسرار العسكرية، ومحصورة تقريبًا على ثلاث شركات فقط في العالم:

  1. شركة تي إس إم سي (TSMC) التايوانية: الشركة الأكثر تطورًا واستحواذًا على تصنيع المعالجات في العالم.
  2. سامسونج الكورية.
  3. إنتل الأمريكية: والتي يبدو أنها ستودع المجال قريبًا.

العقل المدبر لكل شيء

هذه المعالجات هي العقل الأساسي في أجهزة الكمبيوتر، والكاميرات، والسيارات الكهربائية الذكية، وكذلك الطائرات، والصواريخ، والأقمار الصناعية. بدون قطعة المعالج الصغيرة هذه، تصبح كل هذه المعدات بلا قيمة، مجرد خردة.

وصولًا إلى الهاتف المحمول الذي بين يديك الآن، بداخله أكثر من 70 شريحة إلكترونية (Microchips). كل واحدة منها مليئة بالترانزستورات. نحن لا نتحدث عن 1000 أو مليون، بل نتحدث عن أكثر من 90 مليار ترانزستور “محشورة” داخل الهاتف الذي بين يديك!

أصغر من الفيروس: معجزة الحجم المتناهي الصغر

لتتخيل الحجم: هذا حجم شعرة الإنسان… وهذا حجم فيروس مثل فيروس كورونا… وهذا حجم الترانزستور الواحد، الأصغر من الفيروس بحوالي 30 مرة!

فإذا كنت لا تستطيع رؤية الفيروس بالعين المجردة ولا حتى بالمجهر العادي، فتخيل كيف استطاع الإنسان من الرمل أن يصمم هذه المعجزة العلمية ويصنع ترانزستور بهذا الحجم المتناهي الصغر؟

السؤال الحقيقي هو: كيف؟ كيف استطعنا وضع 90 مليار ترانزستور في جهاز تضعه في جيبك؟ وكيف نصنع ترانزستورات حجم الواحد منها أصغر من الفيروس، ونصنع بها دوائر معقدة على شريحة دقيقة بحجم ظفر الإصبع؟

المصنع السري: أنظف من غرف العمليات

الإجابة تبدأ في مكان لا يستطيع أي شخص دخوله. مكان أنظف من أنظف غرفة عمليات في أي مستشفى، وأوسع من ثمانية ملاعب كرة قدم، وأغلى من مدينة كاملة متطورة.

أهلًا بك يا صديقي في مصنع الشرائح (Semiconductor Fabrication Plant).

مصنع سريّ أكثر من المناطق العسكرية في العالم. المصنع الذي يصنع “الخلطة السرية” وراء الآلات والأجهزة التكنولوجية الحديثة. الترانزستور، الذي أسميه شخصيًا “آلة التكنولوجيا”.

ما رأيك يا صديقي أن آخذك في جولة تفصيلية وحصرية داخل واحد من أعقد المصانع في العالم؟ سأقدم لك علمًا قيمًا جدًا، وأجعلك ترى بنفسك كيف استطاع العلم والعلماء التحكم في الذرات وجعلها تعمل لصالحنا. وكل هذا يبدأ من بعض الرمال، ليصل إلى صناعة تتحكم في مستقبل العالم كله.

السحر الحقيقي: تحويل الرمل إلى ما هو أغلى من الذهب

هناك أيضًا تكنولوجيا تعيد تشكيل العالم حرفيًا من جديد.

هل تذكر منذ أن كنا صغارًا، كم سمعنا عن قصص وأساطير السحر؟ تسمع عن الساحر بطل الحكاية الذي يحول التراب إلى ذهب. لكن اسمح لي أن أقول لك، هذه المرة، القصة ليست خرافة.

فريق من العلماء والمهندسين قضوا سنوات من عمرهم داخل غرف معقمة، يعملون تحت ضغط ودقة متناهية، ليحولوا الرمل فعلًا إلى معجزة إلكترونية أغلى من الذهب!

لك أن تتخيل يا صديقي أن بعض الرمال (السيليكون) ثمنها 100 دولار، يخرج لك منها شريحة عليها معالجات قيمتها 100,000 دولار! هذا الكلام حقيقي وليس مبالغة على الإطلاق. واصبر عليّ قليلًا، وسترى بنفسك خطوة بخطوة كيف يقوم هؤلاء “السحرة” العلماء بعمل هذا الإعجاز العلمي.

ولهذا، أصبح مجال أشباه الموصلات حلم كل دولة، وهدف كل عملاق اقتصادي يريد أن يقود العالم.

وادي السيليكون: ليس لعمليات التجميل!

قبل أن أبدأ معك حكاية “الساحر”، دعني أمهّد لك معلومة أولًا لتكون فاهمًا كل تفصيلة صغيرة وكبيرة في المجال.

بالتأكيد سمعت عن وادٍ اسمه “وادي السيليكون” (Silicon Valley) في أمريكا. إن لم تكن تعرفه، فهذه يا سيدي منطقة أو مدينة صغيرة في ولاية كاليفورنيا، يوجد بها تقريبًا كل شركات التكنولوجيا الأمريكية مثل إنتل، تسلا، فيسبوك (ميتا)، جوجل، وآبل وغيرها.

لكن السؤال هنا: لماذا أسموه “وادي السيليكون”؟ مع أنه يعني… لا يوجد به مراكز لعمليات التجميل!

الاسم، كما خمنت، راجع لمادة السيليكون (Silicon). ومادة السيليكون هذه هي العنصر الأساسي في صناعة أشباه الموصلات والمعالجات الإلكترونية، والتي تعتبر السبب الرئيسي لبداية ثورة التكنولوجيا الحديثة.

ما هي أشباه الموصلات؟ اللغز العلمي

هنا يبرز سؤالان مهمان جدًا يجب أن تفهمهما جيدًا قبل أن نكمل الحكاية:

  1. ما معنى “أشباه الموصلات” (Semiconductors) أساسًا؟
  2. وما هي مادة السيليكون هذه؟ ولماذا تحظى بكل هذا الاهتمام؟

دعني أبسط لك الموضوع. أول ما تسمع كلمة “أشباه الموصلات”، قد تفكر قليلًا وتسأل نفسك: هل هي مواد موصلة أم غير موصلة؟

والحقيقة يا صديقي القارئ، أنها الاثنان! أحيانًا توصل وأحيانًا لا توصل.

في عالم الكهرباء، لدينا مواد موصلة (مثل النحاس والحديد والذهب) تنقل الكهرباء بسهولة. ولدينا مواد عازلة (مثل البلاستيك والزجاج) لا تسمح للكهرباء بالمرور إطلاقًا.

أما “أشباه الموصلات”، فهي – عذرًا للتعبير – “تلعب في المنتصف”. لا هي موصلة كالنحاس، ولا هي عازلة كالبلاستيك. أي أنها تستطيع توصيل الكهرباء في ظروف معينة، وتمنعها في ظروف أخرى.

“الرشوة” العلمية: سِر التحكم في السيليكون

كيف يحدث هذا؟ أريدك أن تركز معي جيدًا لتستقبل بعض العلم النظيف.

هذه أشباه الموصلات في الجدول الدوري الحديث، وأشهرهم بلا منافس عنصر “السيليكون”. (لماذا هو الأشهر؟ ستعرف كل شيء بعد قليل).

مادة السيليكون النقية في حالتها الطبيعية تكون عازلة تمامًا. أي وهي في حالها لم نقم بأي تعديل عليها، لا توصل الكهرباء.

السبب؟ لو قمنا بعمل “زووم” داخل ذرة السيليكون، سنجد لديها 4 إلكترونات تكافؤ في مدارها الأخير. كل ذرة سيليكون تشارك بإلكترون مع ذرة السيليكون المجاورة لها. هذا الترابط يطمئن قلب الذرة وسط أخواتها ويجعل غلاف التكافؤ لديها يتشبع، وبالتالي تستقر الذرة، ليشكلوا في النهاية بلورة قوية متماسكة.

هذا الترابط يجعل المادة عازلة. لماذا؟ لأنه لكي تمر الكهرباء في أي مادة، يجب أن يكون هناك إلكترونات حرة وغير مستقرة تجري في المادة لتنقل التيار.

طالما الإلكترونات هادئة ومستقرة، والذرات مرتبطة ببعضها، فلا توجد لدينا إلكترونات زائدة لنقل التيار.

لذلك، لكي نجعل بعض ذرات السيليكون تترك أخواتها وتتفكك الروابط بينها، نحتاج أن نمنحها “رشوة” لتبدأ الإلكترونات في التحرك ونقل التيار. هذه “الرشوة” عبارة عن أننا “نطعّمها” أو ندمج فيها كميات صغيرة جدًا من عناصر أخرى (مثل الفوسفور أو البورون) في عملية تسمى “التطعيم” (Doping).

هنا يكمن السحر الحقيقي!

النوع N (السالب) والنوع P (الموجب)

  1. النوع السالب (N-Type): عندما نطعّم بلورة السيليكون بالفوسفور (الذي لديه 5 إلكترونات)، تقوم ذرة السيليكون (4 إلكترونات) بعمل 4 روابط مع 4 إلكترونات من الفوسفور. يتبقى لدينا إلكترون حر! هذا هو “الإلكترون الشقي” الذي سينقل التيار الكهربي.
  2. النوع الموجب (P-Type): بدلًا من الزيادة، سنقوم بالنقص. بدلًا من الفوسفور، سنطعم السيليكون بمادة “البورون” (الذي لديه 3 إلكترونات تكافؤ فقط). الآن، ذرات السيليكون ستعمل 3 روابط، والرابطة الرابعة لن تكتمل. يتكون لديك “فجوة” (Hole)، وهي مكان فارغ مستعد لاستقبال إلكترونات.

الطفرة: ميلاد “الدايود” (Diode)

الآن، ماذا لو وضعت النوع الموجب (P) بجانب النوع السالب (N)؟

مبروك عليك! لقد صنعت طفرة تكنولوجية اسمها “الدايود” (Diode) أو الوصلة الثنائية.

بمجرد أن يتلامسا، تنتقل الإلكترونات من المنطقة (N) (الغنية بالإلكترونات) لتملأ الفجوات في المنطقة (P) (الفقيرة بالإلكترونات). بعد قليل، يتكون بينهما منطقة عازلة تسمى “منطقة النضوب” (Depletion Region). هذه المنطقة هي التي تتحكم في مرور أو منع التيار.

على هذه الفكرة البسيطة، بُنيت كل المعالجات الحديثة.

لغة الآلة: كيف نتحدث بـ “الصفر” و “الواحد”؟

المعالجات أو الترانزستورات ما هي إلا مفاتيح (On) و (Off)، لكنها مفاتيح إلكترونية سريعة جدًا جدًا.

أنت تعرف جيدًا أن الأجهزة الإلكترونية (كالهاتف أو الكمبيوتر) تعتمد على “الصفر” و “الواحد” (0 أو 1).

  • حالة 0: لا يوجد تيار (المفتاح في وضع Off).
  • حالة 1: يوجد تيار (المفتاح في وضع On).

كيف سنتحكم في الدايود ليفصل أو يوصل التيار؟

الأمر بسيط: لو أخذنا الدايود (P-N) ووصلناه ببطارية صغيرة (مثل بطارية الريموت):

  • توصيل أمامي (Forward Bias): نوصل القطب الموجب للبطارية بالمنطقة (P)، والسالب بالمنطقة (N). هذا “يدفع” الإلكترونات والفجوات نحو بعضها. المنطقة العازلة يقل حجمها، ويمر التيار. (الحالة = On أو 1).
  • توصيل عكسي (Reverse Bias): نعكس الأقطاب. القطب الموجب يجذب الإلكترونات، والسالب يجذب الفجوات. المنطقة العازلة تزيد وتكبر، ولا يمر التيار. (الحالة = Off أو 0).

بهذا، صنعنا اختراعًا ذكيًا جدًا يتحكم في التيار الكهربي.

من الدايود إلى الترانزستور: تطور المفتاح

نفس فكرة الدايود (الوصلة الثنائية P-N) بُنيت عليها الترانزستورات المحشورة بالمليارات داخل المعالجات.

لكن الترانزستورات لها تركيب مختلف قليلًا. فبدلًا من طبقتين، هي ثلاث طبقات (NPN) أو (PNP). يمكن اعتباره “اثنين دايود” مدمجين معًا.

النوع المستخدم حاليًا في تصنيع المعالجات هو (FET – Field-Effect Transistor)، وله ثلاث وصلات:

  1. البوابة (Gate)
  2. المصدر (Source)
  3. المصب (Drain)

السؤال الممتاز الآن: كيف “ينقشون” السيليكون ليصنعوا هذا الترانزستور المعقد جدًا؟

العودة إلى البداية: الرمل الذي لا يُقدّر بثمن

ما هو السيليكون الذي يسبب كل هذا القلق؟ ومن أين نحصل عليه؟

السيليكون يا صديقي القارئ هو الرمل.

ولكن، قبل أن تسرح بخيالك وتذهب لتعبئ كيسين من الرمل لبيعها وتصبح مليونيرًا، دعني أصدمك وأقول لك إن الرمل الذي نتحدث عنه ليس أي رمل!

الرمل العادي مليء بالشوائب، وهذا لا ينفع. نحن نحتاج رمل نقي جدًا، لأن أي شائبة بسيطة قد تحرق المعالج. ما نحتاجه هو رمل يسمى “رمل الكوارتز”، الغني جدًا بمادة ثاني أكسيد السيليكون (SiO2).

يجب أن يُنقى هذا الرمل ويُكرر في أفران خاصة (أكثر من 2000 درجة مئوية) لنخرج منه بسيليكون نقي بنسبة شبه خيالية (99.9999999%).

هذا الرمل نادر. أشهر الأماكن لاستخراجه هي جنوب شرق أمريكا، أستراليا، النرويج، وجنوب أفريقيا. وحتى لو افترضنا أنك امتلكت أطنانًا من هذا الرمل، فللأسف لن يجعلك هذا مليونيرًا. الفكرة ليست فيمن يملك الرمل، الفكرة فيمن يقدر على تصنيعه.

تشريح المعالج: مصنع بحجم ظفر اليد

ما تراه أمامك ليس مجرد شريحة، بل عقل كامل معقد جدًا. نسميها “رقاقة المعالج” (Chip)، واسمها العلمي “دائرة متكاملة” (Integrated Circuit).

أي معالج يحتوي على مجموعة من “الأنوية” (Cores). كل نواة تعمل كعقل صغير مستقل يؤدي وظيفة معينة.

تخيل أن المعالج مصنع كبير، وكل قسم بداخله هو مجموعة أنوية:

  • قسم العمليات الحسابية (الضرب والجمع…).
  • قسم الإدارة (يتحكم في الأنوية).
  • قسم المخزن (Cache Memory).
  • قسم الرسوميات (GPU).
  • والعمال؟ العمال هم الترانزستورات.

على سبيل المثال، وحدة بسيطة مسئولة عن عمليات “الضرب” وحدها، قد نكتشف أن بداخلها 44,000 ترانزستور!

وهذا العدد لا يمثل شيئًا، فهو مجرد 0.00025% من إجمالي الترانزستورات في المعالج كله، الذي قد يصل إلى 18 مليار ترانزستور!

ناطحة سحاب من 80 طابقًا: هندسة التوصيلات

كما قلت لك، توجد “شوارع” أو وصلات معقدة جدًا موزعة في طبقات فوق بعضها، تربط بين هذه المليارات من الترانزستورات.

تخيل أنك تملك 44,000 ترانزستور (عامل) جنبًا إلى جنب، لا يُرون بالعين، وتريد أن تمد بينهم وصلات نحاسية دون أن يتلامسوا (حتى لا يحدث قفلة).

المعالج أشبه بـ “ناطحة سحاب” بها 80 طابقًا (طبقة) فوق بعضها:

  • الطبقات السفلية: أسلاك محلية (كالطرقة في منزلك توصل الغرف).
  • الطبقات الوسطى: أسلاك تربط الأنوية ببعضها (كالشارع أمام منزلك).
  • الطبقات العليا: أسلاك توصل كل أجزاء المعالج (كالطرق السريعة بين المدن).

الرحلة خطوة بخطوة: من الرمل إلى الرقاقة (The Wafer)

الآن، السؤال الذي يشغل بالك: كيف حولنا رمل الكوارتز للترانزستورات؟ (أقترح عليك أن تحضر فنجان قهوة محترم، وتتابع معي).

  1. تبدأ القصة من رمل الكوارتز. يتم تنقيته تمامًا.
  2. يتم “صهره” في فرن عملاق (أكثر من 2000 درجة مئوية).
  3. يُصنع منه قالب أو “بلورة أحادية” ضخمة (Monocrystalline Ingot).
  4. يتم تقطيع هذا القالب الضخم إلى شرائح دائرية تسمى “رقائق السيليكون” (Silicon Wafers).
  5. سمك الواحدة أقل من 1 ملم، وقطرها حوالي 300 ملم (30 سم).
  6. ستلاحظ “ثلمة” (Notch) أو فتحة صغيرة على طرف القرص. هذه الفتحة تساعد الروبوتات على فهم اتجاه البلورة ووضعها بشكل صحيح أثناء التصنيع.

من 100 دولار إلى 13,000 دولار

هل تعرف كم تبلغ تكلفة قرص السيليكون هذا وهو فارغ (قبل النقش عليه)؟ حوالي 100 دولار فقط.

لكن، عندما “نطبع” على هذا القرص الواحد حوالي 240 رقاقة معالج، يصبح سعره ما بين 12,000 إلى 13,000 دولار!

هذا يعني أن قرص السيليكون الواحد، بعد أن كان رملًا وصنعنا عليه المعالجات، أصبح سعره أكثر من 10 أضعاف سعره لو كان من الذهب الخالص!

هذا هو سحر العلم والتكنولوجيا الحقيقي. هذا ما يجعل الدول غنية. الدولة التي تصنع المعالجات لا تبيع شرائح إلكترونية وتكسب فقط، بل هي تتحكم في سوق الهواتف، والذكاء الاصطناعي، والروبوتات، وحتى الأسلحة والطاقة.

داخل “الفاب” (FAB): أسرار النقش على السيليكون

الحمد لله، صنعنا أقراص السيليكون. نريد الآن أن “ننقش” الترانزستورات والوصلات عليها. ركز معي في الخطوات القادمة، فهي زبدة الموضوع.

تؤخذ 25 شريحة سيليكون وتُجمع في جهاز يسمى (FOUP). هذا الجهاز هو “التاكسي” الذي ينقل الـ 25 شريحة بين كل جهاز وآخر داخل معمل التصنيع.

هذا المعمل، كما ذكرنا، أنظف من أنظف مستشفى في العالم. درجة نقاء الهواء تقترب من 100%. لا توجد ذرة تراب، ولا حتى بكتيريا. حتى المهندسون يرتدون بدلة مطهرة بالكامل كرواد الفضاء.

لماذا كل هذه الاحتياطات؟

لأنه، كما قلت لك، أي ذرة غبار لو دخلت المعالج أثناء التصنيع، ستعطله بالكامل. حجم الترانزستور أصغر من حجم الفيروس، فتخيل حجم ذرة التراب بجانبه!

الخطوات الست العظيمة للتصنيع

تمر الشريحة على مئات الأجهزة، يمكننا تقسيمها وظيفيًا إلى 6 مجموعات:

  1. طبقة القناع الضوئي (Photolithography): الرسم بالضوء.
  2. إضافة المواد (Deposition): إضافة طبقات من المواد (كالنحاس أو العوازل).
  3. إزالة المواد (Etching): إزالة أجزاء من هذه المواد (الحفر).
  4. تعديل المواد (Doping/Annealing): “الرشوة” التي تحدثنا عنها (التطعيم).
  5. التنظيف (Cleaning): غسيل فائق الدقة.
  6. الفحص (Inspection): التأكد من عدم وجود عيوب.

شريحة السيليكون الواحدة تستمر في هذا المصنع حوالي ثلاثة أشهر متواصلة، تمر خلالها على حوالي 940 خطوة لتصنيع طبقات المعالج بالكامل.

1. الطباعة الحجرية (Photolithography): الرسم بالضوء

هذه هي المرحلة الأخطر والأغلى.

بعد وضع الشريحة في “التاكسي” (FOUP)، يأخذها الروبوت إلى أول جهاز (Spin Coater)، الذي يضيف طبقة رقيقة جدًا من “مادة حساسة للضوء” (Photoresist).

بعد ذلك، تؤخذ الشريحة إلى الجهاز الثاني، وهو أخطر جهاز سري في المنظومة كلها: جهاز الطباعة الحجرية (Photolithography Tool).

أحدث إصدار منه (الذي يعمل بالضوء فائق البنفسجية EUV) تحتكره شركة (ASML) الهولندية. سعر الجهاز الواحد يصل إلى أكثر من 180 مليون دولار (أغلى من طائرة حربية).

لولا هذا الجهاز، ما كنا لنرى معالجات بمعمارية 3 نانو أو 5 نانو.

ماذا يفعل هذا الجهاز؟

تذكر المسطرة التي استخدمناها ونحن صغار لنسخ الأشكال؟

تخيل أن:

  • القلم = هو شعاع ليزر (EUV).
  • المسطرة = هي “القناع الضوئي” (Photomask)، وهو قالب الشكل الذي نريد طباعته.
  • الورقة = هي شريحة السيليكون المغطاة بالمادة الحساسة للضوء.

يقوم شعاع الليزر بالمرور عبر القناع (المسطرة)، فـ “ينسخ” الرسمة الموجودة على القناع، ويطبعها على شريحة السيليكون.

المناطق التي تعرضت للضوء تتغير كيميائيًا وتضعف.

2. و 3. الإضافة والإزالة (Developer & Etching)

  • تؤخذ الشريحة لجهاز آخر، ونضيف محلول كيميائي (Developer).
  • المحلول يزيل الأجزاء الضعيفة (التي تعرضت للضوء) ويترك الأجزاء التي لم تتعرض للضوء.
  • الآن أصبح لدينا فراغات. نأخذ الشريحة للخطوة الثانية (إضافة المواد)، فنضيف مواد مثل النحاس أو الأكاسيد. ستنزل هذه المواد في الفراغات التي صنعناها.
  • نأخذها للخطوة الثالثة (إزالة المواد)، حيث نزيل المادة الحساسة للضوء الباقية، ونزيل أي زيادات في النحاس باستخدام جهاز (CMP)، الذي يعتبر “جهاز صقل” كيميائي وميكانيكي ينعم السطح.

4. تعديل المواد (التطعيم)

حتى الآن، الترانزستورات التي نحتناها غير مكتملة.

هل تذكر في أول المقال “الرشوة” (الفوسفور والبورون)؟ حان الوقت الآن لندخل في المرحلة الرابعة (التطعيم).

يجب أن نطعم أنوية السيليكون بهذه المواد لنصنع الأطراف (N) و (P) للترانزستور. العملية دقيقة جدًا، فنحن نضيف ذرة فوسفور أو بورون واحدة لكل 100,000 ذرة سيليكون!

5. و 6. التنظيف والفحص

المرحلة الخامسة تعتمد على غسيل وتطهير الطبقة من أي شوائب. يتم غسلها بـ ماء نقي جدًا (أنقى من الماء المعدني).

المرحلة السادسة والأخيرة، يتم فيها الفحص باستخدام التصوير الميكروسكوبي بالالكترونات، للتأكد من عدم وجود أي عيوب.

80 مرة: رحلة الأشهر الثلاثة للرقاقة الواحدة

هل انتهينا من تصنيع المعالج؟

لا يا صديقي.

نحن هكذا صنعنا طبقة واحدة فقط من طبقات المعالج الـ 80!

لذلك، هذه العملية كلها (الخطوات الست) تتكرر 80 مرة، وتظل شريحة السيليكون تمر على نفس الأجهزة في المراحل الست حتى تنتهي من الـ 80 طبقة.

وتستمر هذه العملية التكرارية، كما قلت لك، لمدة ثلاثة أشهر كاملة!

في النهاية، يخرج لنا قرص السيليكون الدائري، وعليه حوالي 230 رقاقة معالج. يتم قصها بالليزر بدقة، ويُكتب عليها اسم الشركة (مثل Intel أو AMD)، وتصبح جاهزة.

الخاتمة: الساحر ذو المعطف الأبيض

بصراحة، الموضوع أعقد من ذلك بكثير، ووراءه علم وتكنولوجيا ضخمة لا يكفينا الحديث عنها لشهر كامل. لكنني حاولت قدر الإمكان ألا أطيل عليك، وفي نفس الوقت أبسط لك المعلومة وأكشف لك الغموض وراء هذه الصناعة.

الآن، بعد أن عرفت الرحلة من “شوية رمل” إلى رقاقة تشغل أعقد الأجهزة المتقدمة في العالم (من الهواتف للطائرات، ومن الغسالات للغواصات)، يمكنك القول أننا نعيش في عالم يجري بسرعة الضوء. لكن القليل جدًا هو من يقف ويتأمل كيف بُني هذا العالم.

أشياء حجمها أصغر من حجم الفيروس، ومن يستطيع تصنيعها هو من تكون له السيادة والقرار. هل تتخيل أن العالم كله قد يتوقف حرفيًا لو توقفت مصانع أشباه الموصلات؟

والسؤال الذي أطرحه في كل مقال: أين نحن من كل هذا العلم؟

استناني قريبًا في مقال علمي جديد. ولكن حتى أراك، تذكر دائمًا: الساحر ليس دائمًا من يرتدي عباءة وقناعًا أسود، أحيانًا يكون عالمًا يرتدي معطفًا أبيض، يمسك شريحة سيليكون، ويغير العالم من غير أن يشعر به أحد.

العلم.. العلم. تصبح على خير.

مقالات ذات صلة