تعليم وتطور

ثورة الاندماج النووي: مشروع هيليون يقترب من تغيير مستقبل الطاقة

منذ فترة وجيزة، أعلن علماء “مختبر لورانس ليفرمور الوطني” في الولايات المتحدة الأمريكية أخيراً عن توصلهم لتوليد “طاقة النجوم” على سطح كوكب الأرض، وذلك في مؤتمر صحفي هز الأوساط العلمية في العالم بأسره. هذه الطاقة ناتجة عما يسمى بـ “التفاعل النووي الاندماجي”، وهي باختصار الطريقة التي تعمل بها النجوم نفسها، ونحن الآن نعيد تخليقها هنا على الأرض.

وعلى الرغم من وجود اختبارات عديدة جارية في السنوات الأخيرة في أكثر من دولة حول العالم لإجراء تجارب لإنتاج الطاقة باستخدام مفاعلات الاندماج النووي، إلا أن التقنية التي تقوم عليها فكرة عمل هذه المفاعلات لا تزال حتى الآن مكلفة للغاية ومكافآتها قليلة. ولهذا السبب، لم يتمكن أحد حتى الآن من استخدامها بشكل تجاري، برغم أنها تولد طاقة تكاد تكون لا نهائية ونظيفة بنسبة 100%، وستكون سبباً في نقل العالم بأسره لآلاف السنين إلى الأمام.

ولكن، تخيل لو أخبرتك أن هناك مشروعاً جديداً تم الكشف عنه عالمياً لأول مرة منذ فترة قريبة، وهذا المشروع سيتمكن من تغيير الطريقة التي نفكر بها في توليد التفاعلات الاندماجية، وسيجعلها أرخص وأكثر كفاءة بشكل مذهل لدرجة أنه سينقلنا لعصر جديد حرفياً.

دعني اليوم في هذا المقال عبر مدونة ثقافي.نت أحكي لك عن مشروع مفاعل “هيليون” الاندماجي المذهل، والذي أحدث طفرة حقيقية في تقنية إنتاج الطاقة من خلال تفاعلات الاندماج النووي كتلك التي تحدث في قلب النجوم، ولنفهم معاً كيف سيتغير شكل العالم تماماً في المستقبل بسبب هذه التكنولوجيا المبهرة.

ما هو الاندماج النووي؟ وكيف يعمل الكون؟

أول شيء يجب أن تعرفه لتفهم ما هو قادم، هو: ما هو التفاعل النووي الاندماجي أصلاً وكيف يحدث؟

في الحقيقة، هو واحد من أعظم الأحداث التي تحدث في الكون كله تقريباً، وهو سبب أساسي في وجودي ووجودك، ووجود الكواكب والنجوم والمجرات وكل المواد الموجودة في الكون حرفياً.

التفاعل النووي الاندماجي هو العملية التي تتم في قلب النجوم؛ حيث يقوم الضغط والجاذبية الهائلين الموجودين في مراكز النجوم بجعل ذرات الهيدروجين تقترب من بعضها بالقدر الكافي، وتتغلب على القوة “الكهروستاتيكية” التي تُحدث تنافراً بين أنوية ذرات الهيدروجين الموجبة (المتشابهة الشحنة)، لتبدأ الأنوية الذرية بالاندماج مع بعضها تحت تأثير الضغط والجاذبية الهائلة.

هذا الاندماج ينتج عنه تكوين ذرات “الهيليوم” الأثقل، وينتج معها قدر مهول من الطاقة. هذه الطاقة هي التي تخرج في صورة الإشعاع والحرارة والنور الذي نراه في النجوم (مثل شمسنا)، وتعتبر سبباً أساسياً من أسباب وجودنا كبشر على كوكب الأرض. وأود أن أخبرك أن هذا هو السبب الذي يؤجج اشتعال النجوم أصلاً وميلادها، وكان أيضاً السبب في تكون مجموعتنا الشمسية وكوكبنا بعد ولادة شمسنا منذ أربعة ونصف مليار سنة.

الإنجاز التاريخي في مختبر لورانس ليفرمور

على الجانب الآخر من العالم، في الولايات المتحدة الأمريكية، يوجد مختبر علمي ضخم يسمى “مختبر لورانس ليفرمور الوطني”. هذا المختبر يحتوي على منشأة ضخمة جداً تعتبر الأضخم والأهم من نوعها في العالم وتسمى “منشأة الإشعال الوطنية” أو (NIF) اختصاراً. كان الهدف منها منذ سنوات طويلة هو الوصول لتحقيق أول تفاعل اندماج نووي يماثل ما يحدث في قلب النجوم بالضبط، والبدء بتوليد قدر من الطاقة أكبر من القدر المستخدم لإنتاج التفاعل نفسه.

كيف يقومون بذلك؟

بحسب علم الفيزياء النووية، فإن أحد الأشكال الأكثر كفاءة لتوليد هذا النوع من الاندماج النووي يسمى (DT)، وهذا يرمز للذرتين اللتين يتم استخدامهما في إنتاج التفاعل، وهما عبارة عن نظائر طبيعية للهيدروجين تسمى “الديوتيريوم” و”التريتيوم”.

الفكرة تكمن في أن هذه الذرات عندما تندمج مع بعضها تنتج قدراً ضخماً جداً من الطاقة تحت تأثير الحرارة والضغط. ما يفعله المفاعل هو أنه يقذف ذرات “الديوتيريوم” و”التريتيوم” الموجودة داخل “بلازما” معينة في المركز بسرعات ضخمة جداً، ويجعلها تتصادم مع بعضها، لتندمج أنويتها الذرية تحت تأثير حرارة هائلة قد تصل حرفياً لـ 120 مليون درجة مئوية. نعم، 120 مليون درجة، أي أكبر بأضعاف المرات من حرارة مركز الشمس نفسها التي تصل في أبسط التقديرات لـ 15 مليون درجة مئوية فقط!

ما ينتج عن عمليات الاندماج النووي هذه ودرجات الحرارة المرعبة تلك، هي طاقة هائلة لا يمكن استيعابها، وكأنك استطعت تصميم شمس صناعية على كوكب الأرض تولد طاقتها بنفسها داخل المعمل، بل وفي الحقيقة تكون أقوى من الشمس الحقيقية. والعظيم في الأمر أن هذه التفاعلات تولد طاقة نظيفة تماماً، لا تخلف أي إشعاع أو مخلفات نووية، ولا تلوث البيئة نهائياً، وكمية الطاقة المنتجة تكاد تكون لا نهائية.

المهم هنا، أن ما فعله العلماء في منشأة (NIF) هو توجيه 192 شعاع ليزر لمركز الديوتيريوم والتريتيوم، واستطاعوا الوصول لمحاكاة فيزياء النجوم بشكل كامل، وصنعوا تفاعل اندماج مستقر نتج عنه 3 ميجا جول من الطاقة، برغم أن الليزر زود المفاعل بـ 2 ميجا جول فقط. وبذلك أنتجوا كمية طاقة أكبر من المستخدمة بـ 50%، وهذا إنجاز تاريخي كان يحلم به علماء الفيزياء منذ القرن الماضي.

العقبة الكبرى: لماذا لم نستخدمها تجارياً بعد؟

المشكلة تكمن في أن توليد هذا الليزر من الأساس يستهلك طاقة كبيرة جداً، مما يجعل كفاءة المفاعل ضعيفة وغير صالحة للاستخدام التجاري. فالمفاعل لا يستطيع استخدام كل هذه الطاقة لتوليد الليزر، ثم يولد الليزر الاندماج، والاندماج لا يعوض الطاقة المستهلكة في البداية؛ أنت هنا تخلق مشكلة طاقة ولا تحلها.

السبب الرئيسي قد يعود لكون المفاعلات الاندماجية التقليدية – برغم تطورها التقني الرهيب – تعتمد في أساسها على خطوات قديمة جداً لتوليد الكهرباء. تخيل أنهم يولدون البلازما بضغط هائل وطاقة رهيبة، وتصبح لديهم طاقة حرارية غير محدودة، وفي النهاية يستخدمون هذه الحرارة لتسخين الماء وإنتاج بخار عالي الضغط لتدوير “توربينات” وإنتاج الكهرباء! هذه تكنولوجيا عفى عليها الزمن.

وهذا ربما يكون السبب الأكبر في تعثر المفاعلات التقليدية المعروفة مثل مفاعل “توكاماك” ومشروع (ITER) الدولي الذي يضم تعاوناً بين 35 دولة، بما في ذلك المفاعل الألماني الضخم (Wendelstein 7-X) الذي تصل حرارته لـ 100 مليون درجة مئوية. كل هذه المفاعلات لم تصل بعد لمرحلة الإنتاج التجاري الذي يتفوق على الاستهلاك.

شركة “هيليون” والقفزة التكنولوجية

منذ فترة قريبة ظهرت بطلة مقالنا اليوم، وهي شركة جديدة تدعى “هيليون” (Helion). كان هدف هذه الشركة تصميم مفاعل نووي اندماجي بطريقة حديثة وغير تقليدية، تبتعد تماماً عن خطوات توليد الكهرباء عن طريق تسخين الماء والبخار، لتولد الكهرباء من البلازما بشكل مباشر.

لتقريب الصورة، هذه التكنولوجيا تشبه النقلة بين المحرك البخاري للقطارات القديمة في القرن التاسع عشر، ومحركات الكهرباء في سيارات “تسلا” الحديثة.

خلال سنوات، صممت الشركة عدة نماذج حتى وصلوا في يونيو 2021 لتصميم اسمه “ترينتا” (Trenta). بهذا التصميم، وصلوا لإنجاز مهم ببلوغ درجة حرارة مركز المفاعل لـ 100 مليون درجة مئوية.

ما سر تفوقهم؟

استطاعوا استخدام عنصر “الهيليوم-3” النادر بدلاً من “التريتيوم”. أي بدلاً من دمج الديوتيريوم والتريتيوم، يقومون بدمج الديوتيريوم والهيليوم-3.

  • الديوتيريوم: عنصر موجود في الطبيعة بكثرة (في البحار والمحيطات) ويسمى “المياه الثقيلة” وهو غير ضار.
  • التريتيوم: عنصر شديد الندرة.
  • الهيليوم-3: برغم ندرته، إلا أن المفاعل عندما يدمجه مع الديوتيريوم ينتج عنه عناصر يتم استخدامها مجدداً في التفاعل، مما يجعل المفاعل “ذاتي التغذية” بالوقود.

والأهم من ذلك، أن طريقة التفاعل المبتكرة تستخدم حرارة التفاعل المباشرة لاستخراج الطاقة الكهربائية عن طريق المجالات المغناطيسية، مما يجعل كفاءة المفاعل أعلى بأربع مرات من المفاعلات التقليدية. كما أن حجمه صغير جداً (بحجم ووزن حاوية شحن صغيرة)، ومفاعل واحد فقط يمكنه توليد 50 ميجا واط، وهي طاقة قادرة على تغذية 40,000 منزل في وقت واحد.

مستقبل مشرق بلا حروب؟

فازت شركة “هيليون” بالعديد من الجوائز العلمية وحصلت على تمويلات تجاوزت 2.2 مليار دولار

تخيل أن تصحو يوماً لتجد أننا نمتلك مفاعلات صغيرة تولد طاقة لا نهائية، نظيفة تماماً، وبدون أي تلوث بيئي أو مناخي. تخيل حينها أن الحروب القائمة على موارد الطاقة (كالنفط والغاز) قد تنتهي تماماً؛ لأن كل دولة ستمتلك مفاعلاتها الخاصة.

ماذا يمكن أن يحدث في عالم خالٍ من حروب الطاقة والصراعات الاقتصادية؟ إلى أين يمكن أن يصل الجنس البشري لو حل السلام والتعاون المطلق؟

هل تعتقد أن هذا ممكن الحدوث فعلاً؟ هل سيصبح البشر جنساً مسالماً يركز على التطور الحضاري؟ أم أن الطبيعة البشرية ستظل أسيرة دائرة الحروب والنزاعات لفرض النفوذ والسيطرة؟

سأنتظر معرفة آرائكم في التعليقات. إذا أعجبكم هذا المحتوى في ثقافي.نت، لا تترددوا في مشاركة المقال لتعم الفائدة.

دمتم بخير.

مقالات ذات صلة