من الكلاسيكي إلى الكمي: فهم سهل لأعقد ثورة حاسوبية

أهلاً بكم في مقال جديد. اليوم، سنتحدث عن “الحاسوب الكمي” (Quantum Computer). إنه موضوع كبير ويطرح نفسه على الساحة بقوة في هذه الأيام. هو لا يهدد فقط باقتحام أنظمة الحسابات والتشفير، بل يبشر أيضاً بحل مشاكل جديدة كان من المستحيل حلها بأي حاسوب كلاسيكي.
يا تُرى، ما هو الحاسوب الكمي؟ وكيف يمكن لمسألة قد تستغرق آلاف السنين من أقوى حاسوب على وجه الأرض، أن يحلها هو في بضع دقائق؟
اليوم، سأشرح المبادئ الرئيسية للحاسوب الكمي واختلافه عن الحاسوب التقليدي في معالجة البيانات والتعامل معها.
ما هي الحوسبة الكمية (Quantum Computing)؟
إنه مجال في علوم الحاسب يسخّر الخواص الفريدة لميكانيكا الكم لتحقيق سرعة معالجة وحلول لبعض المسائل تفوق قدرة أسرع “حاسوب فائق” (Supercomputer) على وجه الأرض.
يبحث مجال الحاسوب الكمي في عمل “عتاد” (Hardware) وخوارزميات لحل نوعية من المسائل تكون معقدة جداً. ورغم أنه لا يزال “قيد الإنشاء”، إلا أنه قريباً جداً سيقدر فعلاً على حل مسائل لا يوجد “حاسوب فائق” يستطيع حلها، أو على الأقل سيحلها أسرع بكثير.
فارق السرعة الذي أتحدث عنه هنا هو النزول من آلاف السنين إلى 5 دقائق!
تنبيه: ليس بديلاً للحاسوب المنزلي
طبعاً، نحن هنا نتحدث عن حاسوب حسابي سيحل مسائل معينة، وليس حاسوباً اعتيادياً. لا تقلق، لن تتمكن قريباً من شراء حاسوب كمي وتثبيت “الويندوز” عليه ولعب “Call of Duty”.
إنه يُستخدم في أمور خاصة جداً مثل فك التشفير وعمل محاكاة لأنظمة معقدة. هو يسير في اتجاه المسائل المعينة، وليس في اتجاه أن يصبح حاسوباً عادياً تعمل عليه.
قوة المحاكاة: التحدي الكلاسيكي
بذكر “عمل محاكاة لأنظمة معقدة”، كما قلت كثيراً من قبل، من أهم استخدامات الحاسوب عمل نماذج افتراضية لأنظمة موجودة في الحقيقة، لنستطيع تجربتها ورؤية رد فعلها في أي ظروف ممكن أن نخلقها.
- مثال 1 (بسيط): يمكننا عمل نموذج داخل الحاسوب يمثل “سوبر ماركت” وعدد “الكاشيرات” فيه. ومنه يمكنك دراسة كم سيقف العميل في أوقات الذروة والأوقات العادية.
- مثال 2 (معقد): تمثيل الأنظمة الميكانيكية والديناميكية. مثلاً، لو مثلنا طائرة تطير وتأثير الهواء عليها. انظر كم معامل متغير يحتاج الحاسوب أن يأخذه في الاعتبار!
- مثال 3 (شديد التعقيد): يمكن أيضاً أن أمثل في الحاسوب سيارة في نظام ديناميكي وأجري “اختبار تصادم” (Crash Test). وأرى أين سيطير كل جزء؟ وأغير في النظام، وأعيد الحادثة كذا مرة. لكي يستطيع الحاسوب أن يُخرج لي نتائج شبيهة بما سيحدث في الحقيقة، يجب أن يأخذ في اعتباره كمية “هائلة” من المعاملات: سرعة السيارة، وزنها، زاوية الاصطدام، الخامات المصنوع منها كل جزء… كمية معاملات غير طبيعية سيظل الحاسوب يحسب فيها أياماً وليالي.
تخيل الآن لو أردت حساب ما سيحدث في هذا الحادث بسرعة الحادث الحقيقي؟ أي، أريد حسابه في بضع ثوانٍ قليلة!

مشكلة الإلكترون
بل أزيدك من الشعر بيتاً: تخيل لو أردت تمثيل نظام يحاكي سرعة الإلكترون داخل الذرة، وأحدد مكانه، وأجري عليه تجارب أيضاً، وأريد أن أقوم بهذه العمليات بسرعة الإلكترون الحقيقية!
هل الحاسوب الكلاسيكي أو “الحاسوب الفائق” يستطيع فعل ذلك؟
قولاً واحداً: لا، لا يستطيع. لأن كمية المعاملات المتغيرة التي يحتاج أن يأخذها في حساباته أكبر بكثير مما يمكن لأي “حاسوب فائق” أن يتعامل معها في نفس الوقت.
حل هذه المشكلة وجّه الفكر نحو “الحسابات الكمية”، وهي: أن أصنع حاسوباً بسرعة الإلكترون هذا.
من أوائل العلماء الذين أشاروا إلى ضعف الحاسوب الكلاسيكي في عمل عمليات معينة، كان العالم الأمريكي الحاصل على جائزة نوبل “ريتشارد فاينمان”، وكان من أوائل الناس الذين قرروا استخدام الفيزياء في الخوارزميات الحسابية، وهي التي بشرت بعد ذلك بوجود الحاسوب الكمي.
مصطلحات أساسية لفهم العالم الكمي
تُعتبر نمذجة حركة الإلكترون داخل الحاسوب الكلاسيكي صعبة جداً نتيجة خصائص معينة سأتحدث عن بعضها الآن. ولكن قبل أن أبدأ، هناك بعض المصطلحات التي يجب أن نعرّفها:
- الجسيم دون الذري (Subatomic Particle): أي جزيئات أصغر من الذرة، مثل البروتون والإلكترون والنيوترون.
- ميكانيكا الكم (Quantum Mechanics): علم الميكانيكا الخاص بالجزيئات الأصغر من الذرات (مثل الإلكترون). وهذا لأن الميكانيكا العادية (ميكانيكا نيوتن) لا تنطبق عليها، نتيجة للطبيعة المزدوجة لهذه الجزيئات (لا يمكن اعتبارها “موجة” فقط ولا “جسيم” فقط).
- النظام الكمي (Quantum System): عندما ننزل لمستوى الذرة ونتفرج على هذا العالم من الداخل (النيوترونات والبروتونات والإلكترونات تدور حولهم بسرعة وعشوائية).
- الجزيء الكمي (Quantum Particle): مثل الفوتون والإلكترون، وهو ما قلنا إنه يجمع بين كونه جسيماً وموجة في آن واحد.
الخصائص الأربع التي تمنح الحاسوب الكمي قوته
“براعة” الحاسوب الكمي أنه يعرف كيف يتعامل جيداً مع الأنظمة العشوائية (مثل حادثة السيارة وحركة الإلكترون)، وهذا لأن “عقل” الحاسوب الكمي مصنوع من “طينة” تشبه هذه “الطينة” العشوائية، وهي “نظام الميكانيكا الكمية”.
هذا يجعله يستفيد من أربع خصائص في “عالم الكوانتم” (العالم الكمي) تسهل عليه هذه النوعية من الحسابات:
1. التراكب (Superposition)
هذه الخاصية تعني أن الجزيء الكمي يمكن أن يمثل “أكثر من احتمال في نفس اللحظة”.
لو لم تفهم، سأحاول تقريب المثال: النغمة الموسيقية (مثل نغمة “دو”) يكون لها تردد (Frequency) معين، لكنك تجد أنك تسمع صوتها مختلفاً قليلاً لو صدرت من البيانو أو من الجيتار، رغم أن لها نفس التردد. هذا لأن الأوتار في الجيتار والبيانو تهتز بشكل مختلف.
خاصية “التراكب” هي التي تعطي القدرة للحاسوب الكمي أن يشغّل نفس العملية بالضبط على “عدة أبعاد”، وكل هذا يحدث في نفس الوقت.
مثلاً: لو أردت جمع 0 و 1 بكل احتمالاتهم (0+0، 0+1، 1+0، 1+1).
بالنسبة للحاسوب العادي، هذه “أربع عمليات” بأربع احتمالات. لكن الحاسوب الكمي يستطيع تنفيذها في “عملية واحدة” لها أربعة أبعاد معاً في نفس الوقت.
الفكرة لو فكرت فيها بعقلك ستجدها مستحيلة، وهذا منطقي جداً، لأنه كما قلنا، معظم الحقائق في العالم الحقيقي تختل في العالم الكمي.
2. التشابك (Entanglement)
هذه خاصية موجودة في العالم الكمي فقط. وهي أن أكثر من جزيء كمي يمكن أن يكونوا مرتبطين بشكل قوي جداً، لدرجة أنك لو عرفت معلومة عن جزيء فيهم، تستطيع أن تتوقع معلومة عن الجزيء الثاني بنسبة 100%، حتى لو لم يكونوا في نفس المكان.
(ملاحظة: لا أحد يعرف كيف يعمل هذا التشابك، حتى آينشتاين نفسه احتار فيه).
3. إزالة الترابط (Decoherence)
هذا يحدث عندما “يبطل” الجزيء الكمي أن يكون كمياً. هنا يفقد تماماً خاصية “التراكب” ويتحول إلى جزيء عادي يمكن قياس حالته بالطرق الكلاسيكية (يصبح يا 0 يا 1 مثلاً).
في الحاسوب، يحدث هذا أول ما يقع احتكاك بين “العالم الحقيقي” و “العالم الكمي”. وهذا يفسر لماذا في حياتنا الطبيعية عمرنا ما نرى (ولن نرى) أي خاصية من خصائص الكوانتم التي أتحدث عنها.
4. التداخل (Interference)
ميكانيكا الكم تصف أي جزيء كمي بأنه “موجود في كل احتمالاته”، حتى أقرر أنا أن “أرصده”.
بمعنى، لو أنني أمسك ذرة في يدي وأنظر إليها من الخارج وأريد أن أعرف مكان إلكترون معين بداخلها. أكيد وأنا أنظر من الخارج لن أعرف، إلا عندما “أدخل” داخل الذرة. أقصى طموح يمكنني عمله هو أن أعرف “المعادلة” التي يتحرك بها داخل الذرة. وباستخدام هذه المعادلة، سيكون لدي “احتمالات” لأي مكان يمكن أن يكون فيه عند أي وقت.
“التداخل” يُستخدم بدلاً من الجمع والطرح. فبدلاً من جمع وطرح رقمين في الحاسوب العادي، أنت تعمل “تداخل بنّاء أو هدّام” بين الاحتمالات، لتزويد أو تقليل احتمالية معينة تجاه نتيجة معينة.
وهذا شيء مهم جداً في الحاسوب الكمي يجب أن نفهمه: الحاسوب الكمي يستخدم حسابات “احتمالية”، ولا يعمل بالحسابات “الدقيقة” (Exact Methods) التي يعمل بها الحاسوب الكلاسيكي.

الكيوبت (Qubit): حجر الأساس الجديد
من هذه الخصائص الأربع، نعرف أن السر وراء قوة أي حاسوب كمي يكمن في قدرته على إنتاج ومعالجة ما سنسميه “البت الكمي” أو “الكيوبت” (Quantum bit / Qubit).
دعونا نتحدث عن الكيوبتات بالتفصيل:
- الحاسوب العادي (البت): يعتمد في المعالجة والتخزين على رقم يكون إما (1) أو (0)، واسمه “البت” (Bit). هذه الأصفار والواحدات تكون موجودة داخل الحاسوب على شكل نبضات كهربائية أو ضوئية (Bit Stream). لو الجهد (الفولت) عالي يكون 1، لو منخفض يكون 0.
- الحاسوب الكمي (الكيوبت): يستخدم بدلاً من “البت” شيئاً اسمه “الكيوبت”. وبدلاً من أن تكون نبضات فولت كهربي، تكون “جزيئات دون الذرة” (مثل البروتون أو الإلكترون) داخل نظام كمي.
وطبعاً، ينطبق عليها الخصائص الأربع التي قلناها.
فلو خصصنا بالذكر خاصية “التراكب” (Superposition)، سنعرف أن هذه الخاصية لن تجعل الكيوبت يحمل 0 أو 1 فقط، بل يمكنه أن “يحمل الصفر والواحد معاً” بنسب مختلفة في نفس الوقت.
ففي الحاسوب العادي، لو عندك 2 بت، تحصل منهم على 4 أرقام.
تخيل الآن لو أنت في الحاسوب الكمي وعندك 2 كيوبت، ستحصل على كم رقم؟ أرقام باحتمالات “مهولة”.
وهذه هي المعجزة الحقيقية: أنك تستطيع الشغل على كمية بيانات هائلة “بنفس عدد البتات” (أو هنا اسمها الكيوبتات).
وقبل أن ترتبك وتبدأ “تهرش في دماغك”: ناتج الحسبة في النهاية سيكون مثل الحاسوب التقليدي (يا 0 يا 1). ولكن “الحسبة نفسها” هي التي يتخللها كمية أكبر بكثير من البيانات لنفس عدد الكيوبتات. وهذا يجعل سرعة معالجة البيانات في بعض العمليات “كالطلقة”.
كيف نصنع الكيوبت؟ (أنواع العتاد)
كما قلنا، الكيوبتات تكون أجزاء أصغر من الذرة، فأكيد تُحفظ داخل الحاسوب بطريقة مختلفة عن الحاسوب الكلاسيكي (الذي يستخدم أسلاك نحاس وترانزستورات).
يا تُرى، مم تُصنع الكيوبتات في الحاسوب الكمي؟
1. الكيوبت فائق التوصيل (Superconductor Qubit):
هذه خامة عندما نبردها تحت درجة حرارة معينة، مقاومتها للكهرباء تنزل إلى “صفر”. حينها، إذا مررت تياراً كهربياً داخلها، سيفضل هذا التيار يمر “إلى ما لا نهاية” حتى بدون مصدر طاقة. وبذلك وصلنا لفكرة “الإلكترون الحر المحبوس” داخل الكيوبت.
ميزة هذا النوع أنه الأقرب تكنولوجيا للحاسوب الكلاسيكي (فهو نوع من الأسلاك ويعمل بالكهرباء).
لكن من أهم عيوبه: يجب أن تحافظ على درجة حرارته باردة جداً، قريبة من “الصفر المطلق” (Absolute Zero)، أي حوالي 273 درجة تحت الصفر.
(وهذا هو شكل الحاسوب الكمي المشهور الذي نراه على الإنترنت، الذي يكون كرات معدنية طالعة من “الثلاجة” العجيبة).
2. الكيوبت الأيوني المحصور (Trapped Ion Qubit):
بدلاً من استخدام الإلكترون، نستخدم جزيئات أخرى تحت الذرية وهي “الأيونات”.
3. النقاط الكمية (Quantum Dots):
هو “شبه موصل” معين يستطيع أن “يحبس” بداخله إلكتروناً واحداً فقط. وهذا ظريف جداً لأنه قد يعمل مع أشباه الموصلات العادية.
4. الفوتونات (Photons):
أن نصنع الكيوبت باستخدام “الفوتونات” (جسيمات الضوء) بدلاً من الإلكترونات والأيونات. وهذا ممتاز جداً في نقل البيانات لمسافات طويلة باستخدام كابلات “الألياف الضوئية” (Optical Fibers)، وممتاز في “التشفير الكمي”.
(طبعاً هناك أنواع كثيرة، لكني ذكرت أهم أربعة نقلاً عن IBM).

كيف يعمل الحاسوب الكمي (المقارنة الكبرى)؟
بناءً على الخصائص الأربع، هناك فكرتان “غير منطقيتين” بالمرة يجب أن تضعهما في اعتبارك لتفهم طريقة الحسابات الكمية:
- الفكرة الأولى: هناك أشياء عشوائية (مثل حركة الإلكترون) تُحدد بمعادلات “احتمالية”، ولكن في نفس الوقت، عندما تأتي “لقياسها” في أي وقت، تكون القيمة “محددة” وليست عشوائية (وذلك عند لحظة القياس فقط).
- الفكرة الثانية: ممكن أن تكون جزيئات بعيدة جداً عن بعضها (أبعد من أن تؤثر على بعضها)، وتتصرف بشكل عشوائي، ولكن في نفس الوقت، أداؤهم العشوائي مرتبط ارتباطاً وثيقاً ببعضهم (خاصية التشابك).
وعليه، فالحاسوب الكمي يعمل على كمية كبيرة من البيانات بكل احتمالاتها معاً، والمتخزنة داخل الكيوبت. وتدخل هذه الكيوبتات على “دائرة حسابية كمية” (يصممها المستخدم).
هذه الدوائر تعمل عمليات للتأثير على البيانات داخل الكيوبتات (مثل: ربط الكيوبتات ببعضها باستخدام “التشابك”، أو استخدام “التداخل” لتعظيم نتائج وتقليل احتمالية حدوث نتائج أخرى).
و”أعلى احتمال” في الآخر، يكون هو الإجابة للحسبة الكمية.
الحاسوب الكلاسيكي: قوة “برجل واحدة”
بما أن الذرة هي الجزء الأصغر المكون للكون، فيمكننا القول بثقة أن أي حاسوب كلاسيكي هو حاسوب كمي، ولكنه “يتجاهل” الخواص الكمية في حساباته، فيفشل في استغلال كل قوته.
تخيل أنك نزلت لتلعب مباراة كرة قدم وقلت لك: “العب براحتك، ولكن بشرط، ستلعب برجل واحدة فقط”. في هذه الحالة، مهما كنت سريعاً، أبطأ لاعب سيقدر أن يسبقك.
أما الحاسوب الكمي، فهو يستغل خصائص وقوانين الميكانيكا الكمية، فيفتح لنفسه قوة وسرعة في الحسابات لا يستطيع أسرع حاسوب على وجه الأرض حتى أن يقترب منها.
مقارنة سريعة:
| الميزة | الحاسوب الكلاسيكي (العادي) | الحاسوب الكمي |
| وحدة البيانات | البت (Bit) | الكيوبت (Qubit) |
| قيمة البت | إما 0 أو 1 (محدد) | 0 أو 1، أو (0 و 1 معاً) (احتمالي) |
| طريقة المعالجة | تسلسلي (واحدة تلو الأخرى) | متوازي وكمي (دفعة واحدة) |
| نوع الحسابات | دقيقة (Exact) | احتمالية (Probabilistic) |
| الأفضل لـ | مهام الحياة اليومية (واقعي) | محاكاة الأنظمة العشوائية والمعقدة |
ليس حلاً سحرياً: المستقبل يكمن في الدمج
الحقيقة أن الحاسوب الكمي ليس هو الحل لكل المشاكل. بالعكس، هو في الحقيقة ليس حلاً “لمعظم” المشاكل.
سيظل الحاسوب العادي هو الحل المناسب لمعظم المشاكل المعاصرة. والتوقع يتجه نحو أن مجال الحوسبة في المستقبل سيكون مبنياً على “المعالجة السحابية” (Cloud Processing)، بحيث يجمع على سحابة واحدة: الحاسوب الكلاسيكي، والحاسوب الكمي.
متى نحتاج الحاسوب الكمي؟ (مجالات التفوق)
إذن، متى يكون الحاسوب الكمي أفضل؟
في المسائل العلمية والرياضية التي يصعب جداً حلها بالحاسوب العادي نتيجة شدة تعقيدها، وطرق الحل “الدقيقة” التي يستخدمها الحاسوب العادي ستجعله يأخذ “آلاف السنين” (وأنا أعني حرفياً آلاف السنين، حتى لو كان “حاسوباً فائقاً” بآلاف المعالجات).
أمثلة على المجالات التي سيتفوق فيها الحاسوب الكمي:
1. مجال صناعة الأدوية:
سرعة الحاسوب الكمي في محاكاة سلوك “الجزيئات” (Molecules) سيسرّع جداً عملية البحث العلمي في إيجاد أدوية جديدة لأمراض مستعصية حتى الآن.
2. الكيمياء وتغير المناخ:
قلنا إنه ماهر في دراسة سلوك الجزيئات. هذا سيساعد العلماء في إيجاد حلول للتأثير على هذه الجزيئات. ومن المتوقع أن أول تطبيق يسعى له الناس هو تقليل خطر الانبعاثات السامة أو تكسير بعض ذرات الكربون في الجو (الذي يؤثر على تغير المناخ). (وللأسف، سيسرّع أيضاً دراسة الكيمياء النووية).
3. التعلم الآلي (Machine Learning):
أصعب شيء في التعلم الآلي هو أنك تتعامل مع كمية “مهولة” من البيانات. الحاسوب الكمي أسهل شيء عليه هو التعامل مع كمية بيانات كبيرة على عدة أبعاد في نفس الوقت. هذا سيجعل خوارزميات الحاسوب الكمي تتعامل مع التعلم الآلي أسرع بكثير من “مراكز البيانات” (Data Centers) الموجودة حالياً، وبجزء صغير جداً من الطاقة.

كيف نقيس قوته؟ (Utility vs. Advantage)
الحاسوب الكمي حالياً في مرحلة “ما هو قيد الإنشاء”. هو ليس مشروعاً نظرياً فقط، وفي نفس الوقت ليس مشروعاً مكتملاً يمكن الاعتماد عليه الآن.
لذلك، أثناء الأبحاث، نستخدم معيارين مهمين لقياس مدى فائدته:
1. المنفعة الكمية (Quantum Utility):
ومعناه أن خوارزميات الحساب الكمي تكون “فعلاً” قادرة على حل مشكلة “حل دقيق”، وهذا الحل الدقيق “غير ممكن” حله بأي حاسوب موجود حالياً. (هنا المعيار يخص “الخوارزمية” أو طريقة الحل).
2. الأفضلية الكمية (Quantum Advantage):
وهذا يعبر عن قدرة الحاسوب الكمي “فعلاً” على حل مشكلة معينة، ويكون يحلها “أسرع” من أسرع حاسوب موجود على وجه الأرض “بكثير”. (هنا المعيار يخص “العتاد” أو الهاردوير نفسه).
تشريح الحاسوب الكمي: المكونات الأساسية
أخيراً، لنغطِ جوانب الموضوع كلها، ما هي مكونات الحاسوب الكمي؟
- المعالج الكمي (QPU):بدلاً من (CPU). هذا الذي يكون فيه “الكيوبتات” الفعلية، وتكون جاهزة للقراءة ومتصلة ببعضها. (معالج IBM QPU ليس أكبر بكثير من المعالج العادي في حاسوبك، ولكن “جهاز التبريد” هو الذي يعطيه الحجم الكبير الذي يصل لحجم سيارة متوسطة).
- الموصلات الفائقة (Superconductors):تكلمنا عليها (وهي التكنولوجيا التي تعتمدها IBM)، وهي الشيء الكبير الذي يكون داخل “الثلاجة” حتى لا يحدث “Decoherence” (إزالة ترابط) أثناء الحسابات.
- وحدة التحكم:هي التي تتحكم في الكيوبتات، ولكن ليس بنبضات “كهربائية”، بل بنبضات “فوتونية” (ضوئية). الفوتونات هي التي تقرأ وتكتب وتغير في الكيوبت.
- البرنامج الكمي (Quantum Software):أكيد مفهوم من المقال أنه لكي نحقق “الأفضلية الكمية”، نصف المشكلة هو “العتاد” (Hardware)، والنصف الثاني هو أن يكون لدينا “برامج” (Software) مستقرة وذات كفاءة عالية لتنفيذ الخوارزميات الكمية بنجاح.
خاتمة ومصادر
كانت هذه مقدمة عن الحواسيب الكمية. وأنا أعلم أن الموضوع معقد، ولست متأكداً هل الناس فهمت أم شعرت بالملل؟ فيا ريت تخبروني في التعليقات.
ولو كان المقال مفيداً بالنسبة لك، يا ريت ترسله لشخص آخر قد يستفيد منه.
لأجل الأمانة العلمية: المصادر
هذا المقال مبني تقريباً “بدقة” على مقالين موجودين على الإنترنت. أنا لم أقم بالبحث، مجرد أنني كتبته وشرحته بالعربي بطريقتي، وحاولت تبسيط أشياء شعرت أنها صعبة عندما كنت أقرأ البحث بنفسي.
لو أردت الاستزادة من الموضوع ومعرفة أكثر، أنصحك أن تبدأ من هذين المقالين (باللغة الإنجليزية):
- المقال الأول: من الموقع الرسمي لـ IBM(كثيرون لا يرون IBM في أجهزة الكمبيوتر في السوق هذه الأيام، ويظنون أن الشركة “انتهى أمرها”، لكنها من أهم الشركات التي لديها معامل أبحاث تطور في الحاسوب بشكل عام).
- مكان المقال: اذهب إلى
www.ibm.com، ثم اضغط على “Think”، ثم “More”، واختر من “Content Types” كلمة “Explainers”. ستجد في “Featured Topics” الموضوع رقم 6 (What’s quantum computer). - المقال مكتوب بتاريخ 5 أغسطس 2024.
- مكان المقال: اذهب إلى
- المقال الثاني: من المنصة الصحفية لـ MIT (MIT Technology Review)
- مكان المقال: للوصول إليه، ابحث في جوجل عن:
what is quantum computer+mit. غالباً سيظهر لك في ثاني أو ثالث نتيجة بحث بعنوان: “Explainer: what’s quantum computer”.
- مكان المقال: للوصول إليه، ابحث في جوجل عن:
وشكراً على المتابعة.



